
مدخل
· سنجد الشاعرة السويدية كارين بوي* تتغنى بسحر الرمال لأنها عندما تسوقها مثلا في شعرها ستجد شغوفا يقرأ بنهم عن أجواء لم يألفها كأن تقول عن المتجول في الصحراء:
وأنا، أو تلك التي هزلت في الرمل،
لن أسترد فخامة مقبض خنجري
المزخرف بالجواهر التي لا تطفئ عطشاً.
ثم إنني في مدينة المآذن هذه،
بعيداً عن الصحراء،
سوف لا أنحني أمام تلك الأبواب المتكبرة،
تلك البوابات الذهبية،
ولكن أمام الآبار المنخفضة النائية
عن الدرب،
إلى حيث يقود الرعاة المغبرون قطعانهم
عندما يجلبون الحليب في المساء. 1
1
· أدب الصحرء يكتسب سحره وأجواءه من ابن الصحراء الذي يعايشها ويتلبس تفاصيل أساطيرها المدهشة لأنه سيكتب بقلم من يتنفس ظروفها ومناخاتها , ولأدب الصحراء إيقاعه المُبهر خاصة لدى من يعيشون في مناخات تختلف كحالة التشبيه لدى كارين.. ولقد نال الكوني ما ناله من عالمية لما أوقعته ترجمة أعماله من وقع سحري في قلب القاريء الأوروبي ومن يعيش في مناخات غير صحراوية ولا يعرف أسرار الرمال الدافئة وظلال أشجار الرتم .
غير أن الأستاذ والأديب العربي فخري قعوار فيما يبدو أنه لم ينتبه إلى هذا السحر الأسطوري وكنه هذا العبق المُتجلي فاعتبر قصص خليفة احواس في مجموعة [الظل الثالث] أعمال لمبدع يخطو خطواته الأولى [بثقة] 2 لكن الناقد وألقاص سالم العبار لابد ان يستوقفه هذا العمل ليقول أن احواس لم يبدأ مسيرته طفلا يحبو.
2
· في مجموعة الظل الثالث يمسك احواس بتلابيب نصوصه بتبسيط مقنع وسهل عميق وذلك لأن الكاتب هو ابن تجربته ثم فنه..ولأنه لم يكن يحبو فلقد مزج التجربة والمعاناة بتوظيف فني ومتماسك وبلغة تقترب من الشعر الوجداني أحيانا عندما يصف تفاصيل المعاناة في قصة [الابتر] حيث يحاكي تجربة ذاتية لطفل موعود بالذهاب إلى الأمنية [قصر سرت] لشراء ملابس الدراسة وأدواتها إذا وفر المياه للبيت والشياه وسلطة الأب هي التي طرحت هذه المُساومة اللذيذة والتي يبدو أنها صعبة أيضا وكان الأبتر الحيوان الموسوم بالغباء هو رفيق الطفل بحمل براميل المياه على ظهره النحيل [وأنا بإتجاه ابوقصبة صار الأفق أمامي باسطا ذراعيه لي ، الصحراء هي كذلك مُنبسطة تـُحاكي انشراح قلبي 3 ]والكاتب هنا يصف لنا بذاكرة حكائية تفاصيل رفقته للحمار ولمناكفاته وكسله في رحلة أصبحت طويلة المدى مع حيوان لا علاقة له بالزمن !، وكان تحميل البراميل فيما يبدو مهمة أصعب من رفقة الابتر فداهمهما الوقت ومن ثم فيما بعد عقاب صاحب السلطة!! الذي كان يرعبه القلق مع والدته وهما في انتظاره أمام الخيمة ، ولم يكن متوقعا غير الدموع التي اختلطت في مشهدها مع مشهد انتظار البذلة الجديدة والمدرسة..[سمعت أمي تقول ناهرة : لماذا فعلت بخليفة هكذا؟..رد عليها: إنه.....وليس خليفة4].
3
· في قصص الظل الثالث نجد عبق الصحراء وسحرها وأيضا استدعاء رموز يهتم لها الكاتب بلغة وجدانية وأجواء سحرية ، هي مزيج من غموض وقراءة مُتأنية لما يدور حول الإنسان من ظروف ومعاناة ، وللمرأة حضور قوي في الظل الثالث ، ربما لأنه يريد أن يقول أن بعض القيم لتجسدها إلا المرآة كما في قصتي [المرآة5]و[المهراس6] وهذه الأخيرة اهداها الى ابناء قريته [هراوة] لأنهم يعرفون أبطالها.
· في قصة [المُرضعة7] نجد بناءً قوياً ومُحكماً لمشاهد من أحلام ويقظة وتماهي مع الجذور التي سنجد الإشارة لها في غير نص ، لكنه أيضا يستقريء الفصام الحاصل ما بين القيم والواقع بتفاصيله السخيفة..وهي حياة كائن ما جاء من الصحراء إلى المدينة فالتهمته غربة الأشياء ، لكن ذ اكرته لم تمسخ وظلت مُتصلة بتفاصيل طفولته وجزء من شبابه.
4
·
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ